حتى لا نكون شركاء لأهل المعاصي

عالم الأسرة » همسات
14 - ربيع الآخر - 1435 هـ| 15 - فبراير - 2014


1

     عندما أتصفح وسائل التواصل الاجتماعية أصاب بالحزن والفرح؛ لأن هناك تعليقات وأخبارا، وتجريحا ونقدا ومدحا وقدحا ما كان لنا أن نطلع عليها بغير هذه القنوات؛ كأن تقرأ ذما لعالم أو داعية مشهود لهما بالخير، أو رفعا لمكانة رويبضة تافه بيده زمام الأمور في بلده، أو نجاح طالب، أو اجتماع يضم أرحاما وأصدقاء.

   وسرعان ما تحزن حينما تشاهد (أو تعرض أمامك ـ رغم أنفك ـ) صورا لنساء كاسيات عاريات، أو أخبارا عن حدوث قتال بين مجموعات يفترض أن تتوحد أو تتعاون، والأدهى من هذا حينما تقرأ كلاما لأشخاص يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف!! أو لا تتمعر وجوههم لهذه الكبيرة، ولا ألسنتهم لما حرم شرعا، بل تجد عبارات تدل على الإعجاب بهذا أو بذاك، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

     المشاهد المحزنة أكثر من المفرحة، وإن ما يحدث في العالمين العربي والإسلامي من تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية وما يكاد لهذا العالم المنكوب، وما يدبر له من مسرحيات تقوض بنيانه، وتثير به الفتن والمحن، لأمر ذي بال يُدمع العين، ويُفطر القلب، ويُدمي المشاعر. وعلى الرغم من هذه المأساة فلا زلت أشاهد صورا من الإصرار على مبارزة الله بالمعاصي، ومحاربته بفعل ما يغضبه، وكأن هذا الذي يحدث لأمتنا لا صلة له بسنن الله تعالى الكونية والشرعية.

     إن من يستعرض سنن الله الكونية والشرعية - ليجد أن ما يصيبنا ما هو إلا غضب وعقوبة من الله لعباده كي يعودوا إليه، ويتضرعوا ليكشف الغمة ويزيل النقمة؛ وإن من القلوب ما هي أصلب من الحجر، وأقسى من الحديد قد غشاها ران الذنوب، فلم تعد ترى المعصية غير منحة لها، فهي لا تبالي بمقت الله وغضبه، وإذا أجل الله لها العقوبة لعلها تعود إليه، ثم استدرجها، فإنها تستمر على وضعها، وهذا مكمن الداء في سلوكها. حيث سيأخذها ربنا أخذ عزيز مقتدر: "أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ" الأعراف97 وقال تعالى: "أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ، أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ" الأعراف98، 99.

     إن أفعالنا المشينة وذنوبنا، وتقاعسنا عن حماية قيمنا وعقيدتنا، وتفرقنا، واستبدالنا الشرائع والنظم البشرية بشريعة ربنا  - هي سبب بلائنا ـ ألم يدع نوح عليه السلام قومه ألف سنة إلا خمسين عاما؟! ألم يستغشوا ثيابهم، ويضعوا أصابعهم في آذانهم لئلا يستمعوا إلى قول الحق؟ ألم تكن النتيجة أن أغرقهم الله تعالى، ونجى الذين آمنوا، ولكن الناس يستبطئون عقوبة الله عليهم وهي آتية.

     نعم إن رحمة الله سبقت غضبه وإن حلمه واسع سبحانه، ولكن الله يغار على دينه وعلى أهل الحق، فهو ناصرهم عاجلا أم آجلا ولكن للنصر شروطه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم"سورة محمد 7.

     أخاطب في هذه المقالة الذين يباركون أعمال العصاة سواء بالسكوت عليهم، أم باستحسان أعمالهم، أم بالرضا عنهم ـ ولو بالكلمة - أخاطب هؤلاء الذين ما زالت جذوة الإيمان في قلوبهم مستعدة لأن تتوهج إذا سمعت بقول الله ورسوله  فأقول لهم : إنكم شركاؤهم إلا إذا فئتم إلى ربكم واستدركتم أموركم قبل ألا توبة ولا ندم. إن من عباد الله عبادا من يدعو إلى المنكر، بل يرى المنكر معروفا ومن ينهى عن المعروف، فهؤلاء شر العباد، وإنك لتجد الكثيرين منهم في وسائل التواصل. وإني لموقن أن ما أصابنا ما هو إلا نذير من الله لنا: ((وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا))سورة الإسراء، وما يجري في الشام، واليمن، ومصر، وليبيا وتونس وغيرها من بقاع هذا العالم الذي أصابه ما أصابه من كوارث، وقتل، وتدمير وتجويع، وفقدان للأمن وغيرها من فتن، ما هي إلا آيات على ما آلت إليه أمورنا في علاقتنا مع ربنا، فسلط الله علينا عدونا رحمة بنا حتى نعود إليه، فالمحن قد تكون منحا.

   ومن يتأمل كلام الله تعالى ليجد أن المعركة مع الباطل قد تطول وفيها دروس لأهل الإيمان - سواء كانوا طائعين أم عصاة - كي يتعرفوا على جوانب القصور فيهم، فيتخلصوا منها، ولكن العاقبة للمتقين.

     فيا أيها المجاهرون بمعصية الله تعالى، ويا أيها الراضون بما حل بنا، ويا أيها العاقلون ألسنتهم عن قول الحق، وبيان شر الباطل اتقوا الله في أنفسكم، وارحموا إخوانكم، فلا تكونوا سببا في تأخير نصر، أو رفع بلاء أو إنزال غيث، أو تعجيل عقوبة، ونطلب منكم ألا تجاهروا بالذنوب، فكل أمة محمد معافى إلا المجاهرين.  إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب شرعي، وإن الحكمة في الدعوة مطلوبة، وإن إنكار المنكر له مراتب أدناها ألا تشارك فيه، وألا تستحسنه، بل دفعه حق كل بحسب سلطته وعلمه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

رحم الله امرأ عرف قدر نفسه، ورحم الله عبدا أخفى ذنبه، وستر على نفسه، وبادر إلى التوبة النصوح، ورحم الله من بكى ذنبه قبل أن يأخذه ربه، وتقوم قيامته الصغرى. إن المعاصي سبب الأمراض والخسارات وقلة البركات، وتكالب الأعداء، واحتجاب الإجابات من رب العزة والجلال.

     وقد يقول الفاسقون والذين في قلوبهم مرض ما علاقتكم بنا! فنحن أحرار فيما نفعل! مهلا أيها الذين اخترتم حياتكم هذه. إن عليكم أن تعلموا أن سكوتنا على أفعالكم يجعلنا شركاء لكم في توقيع العقوبة علينا جميعا، فنحن إذ ننهاكم إنما نرحمكم كما نرحم أنفسنا، ولعل الله أن يفتح قلوبكم لسماع قول الحق، فالمسارعة إلى استرضاء رب الأرض والسماء، فالله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن كثير. والحمد لله رب العالمين.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...