النَّكد عدو الإنسان الأول وفنون التغلُّب عليه

عالم الأسرة » همسات
14 - محرم - 1438 هـ| 16 - اكتوبر - 2016


1

الشخص النكدي هو إنسان حساس بدرجة مزعجة؛ لديه استعداد كبير للحزن والتعب النفسي، فنراه يتعب نفسه بالتدقيق على كل حركة وهفوة ممن حوله، ويفكر كثيرًا فيما يضمره الآخرون له، وينعكس هذا التعنُّت في مراقبة الآخرين، وتحليل كلماتهم وأفعالهم على تعامله معهم؛ فهو لا ينسى الإساءة بسرعة، ويستدعيها وقت نكدٍ جديد من الشخص نفسه؛ فلا يهنأ بعيش، ولا يهدأ له بال لكثرة تفكيره وحديث نفسه الذي يتهم به الناس، ولكثرة حساسيته من النظرات والكلمات والتصرفات الموجهة إليه.

وأحيانًا يكون هذا الإنسان النكدي مرحًا وخفيف الظل، يضحك ويمزح ويتبسط مع من حوله، لكن لو حدث ما يعكر مزاجه من الآخرين؛ ينقلب هذا المرح إلى حزن وكآبة وأحيانًا عصبية زائدة، وقد تستمر معه هذه الحالة أيامًا عديدة، يكون فيها في خصام مع من سبب له الألم والحزن.

ليست المرأة وحدها هي النكدية كما يروجون لها في النكات والرسوم الكاريكاتيرية، بل هناك الكثير من الرجال لهم الطابع النكدي، المائل إلى افتعال المشكلات لمجرد كلمة أو موقف يسير ضايقهم، وعامة التعامل مع الإنسان النكدي مرهق جدًّا ومتعب للأعصاب.

أحيانًا يكون سبب الشعور بالنكد: خلل في وظائف الجسم، نتيجة مرض ما ألمَّ به، فهناك بعض الأمراض التي تسبب الكآبة والميل إلى النكد الدائم والعصبية الزائدة مثل جرثومة المعدة، وألم الأسنان المزعج، وبعض أمراض الكبد، أو خلل في الهرمونات، وهناك الكثير من الأدوية التي يكون من آثارها الجانبية تغير المزاج والشعور بالضيق والكآبة، ويزول هذا الأمر الطارئ على النفس بزوال المسبب.

وتصاب المرأة قبل الحيض بأيام قليلة وأثنائه بكآبة وميل إلى الانفعال والعصبية الزائدة، وهناك من النساء من تكون متوترة بدرجة كبيرة، تجعلها تخرج كثيرًا عن شعورها، وقد تخطئ فيمن حولها، وقد تراها تبكي دون سبب، وتميل إلى العزلة في تلك الأيام. وهذه الحالة نفسها تصيب نسبة كبيرة من النساء في الأشهر الأولى من الحمل، وبعد الولادة وأيضًا في أول أيام النفاس، والسبب الرئيس وراء هذا التوتر هو: تغير الهرمونات والشعور بالإرهاق والتعب.

والمرأة النكدية يهرب منها زوجها، وقد ينتهي المطاف بالزواج بأخرى. والرجل النكدي تسعى زوجته لتزويجه؛ طلبًا لراحتها النفسية (مشاهدات من الواقع). والشخصية النكدية تحتاج إلى صبر طويل وحكمة في التعامل، والحوار الدافئ يفيد كثيرًا في العلاج، خاصة إذا عرفنا سبب التوتر الذي سبب هذا النكد، وبعض من الحزم قد يفيد في أحايين أخرى.

 

علاج النكد لا بد أن ينبع من داخل الإنسان المصاب، فلا بد أولاً أن يقتنع أنه نكدي، وأنه يزعج من حوله بتحسسه الزائد وعصبيته وتوتره، وقد يهربون من التعامل معه نتيجة لذلك. ودائمًا الإنسان طبيب نفسه، فلا بد وأن يجاهد نفسه لتحسين ما به من خلل، فالشعور بالضيق والضجر من الآخرين يعالج بكثرة الاستغفار، وبالاجتهاد في الدعاء بأن يشفيه الله مما هو فيه، ومحاولته تغيير حالته النفسية وتغيير مزاجه للأحسن ببعده عن مصدر إزعاجه، وخروجه للمشي في الهواء الطلق، وتنفسه العميق، ومن الممكن أن يشغل نفسه بقراءة كتاب أو جريدة أو مشاهدة التلفاز، ويجاهد نفسه في عدم الوقوف كثيرًا على مصدر الألم، فيحاول نسيان الموقف برمته، أو تفسيره التفسير الجيد؛ لأن مشكلته أنه يفسر ويحلل المواقف والكلمات التفسير الذي يسبب له الضيق والكآبة.

وهناك بعض الأطعمة والمشروبات التي تشرح الصدر، وتساعد الإنسان في التخلص من كآبته كالشيكولاتة والقهوة، والمكسرات بجميع أنواعها.

تكرار الرجل على مسامع زوجته: (لا أحب النكد وقد أهرب منكِ طلبًا لراحتي النفسية؛ فانتبهي)، يكون بمثابة جرس إنذار لها، يساعدها كثيرًا في العلاج. وأرجو أن يقدر الرجل لامرأته الأسباب التي تؤدي إلى توترها، ويسعى معها إلى حلول عملية للخروج من هذا التوتر، ويراعي حالتها الصحية في هذه الأثناء خاصة وقت الحيض والحمل؛ فيعمل على إبعادها عن كل ما يسبب لها الضغط الزائد والتوتر، ولا يكلفها بما لا تحتمله في هذه الأوقات، ولا يفتعل معها المشكلات أو يتعامل مع توترها بعصبية زائدة؛ فينقلب البيت إلى حلبة صراع لا تسمع فيه إلا الضجيج ولا يجني الزوجان من وراء ذلك إلا هلاك صحتهما ودمار أعصابهما، وافتقاد المودة والرحمة بينهما.

فليحرص الزوج على أن يحدد يومًا كنهاية الأسبوع مثلًا، يخرج مع زوجته في نزهة في الهواء الطلق لتهدئة أعصابهما.

وغضب الزوجة من حساسية زوجها النكدي وحوارها الدافئ معه، وتنبيهها أنه يرهق أعصابها بحساسيته الزائدة ونكده، وأنها لا تحتمل هذا النكد، قد ينبهه إلى موطن الخلل في نفسه، ويعينه على تحسين سلوكه.

 وأقول للمرأة خاصةً: إذا شعرتِ بضيق أو رغبة في النكد، جربي تغيير مزاجك بالاستغفار، ولبس ملابس تحبينها، وتغيير شكلك بمكياج تفضلينه، واحتساء فنجان قهوة إن كنت من محبي القهوة، أو شرب كأس من الشيكولاتة الساخنة. غيّري من حالك؛ تسعدي، وأبعدي عن رأسك كل فكرة تؤدي إلى افتعال المشكلات خاصةً مع الزوج والأبناء، وإذا أخفقت في التحكم بأعصابك ادخلي غرفتك، وحاولي الاسترخاء أو النوم لتخرجي من هذه الحالة. وانتبهي.. لا تجعلي النكد عنوانك؛ لأنه سينطبع على جميع من في البيت، خاصة البنات وبعد ذلك سيصبحن أكثر استجابة لنكدك، وعندما يكبرن سيشبهنك في هذا الأمر، فاتقي الله فيهن، وعلميهن فن التحكم في أعصابهن، والخروج من جو الكآبة والنكد ومن ثمَّ العودة إلى الحالة النفسية المستقرة.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...